العصور الوسطى
خرافة العصور الوسطى
- يلخص المؤرخون الغربيون قصة العصور الوسطى على الشكل التالي
بعد سقوط روما انتهت العصور القديمة الزاخره بالانتاجات الفلسفية الاغريقية وابداعات النظم القانونية الرومانية وبدأت العصور الوسطى التي أصبحت السيادة فيها للكنيسة فعم الجهل وهيمن التخلف واحتقر العلم مدة طويلة من الزمن ولكن بعد ذلك وتحديدا في القرن الخامس عشر والسادس عشر ستثور الناس ضد الكنيسة لتحدث نهضة علمية وأدبية وفنية مرتكزة على التراث اليوناني القديم فكانت تلك هي لحظة ولادة عصر النهضة العصر الذي أنقذ البشرية من الجهل والظلام ونقل العالم إلى بحار العلم والتنوير ولكن إذا بحثنا وراء هذا التقسيم سنجده يقوم على فكرة أساسية جعلت هذا التقسيم ضروري لبناء السردية بشكل كامل وهي فكرة تشويه دور الدين الحضاري وخلق أسطورة عصر النهضة
- أوروبا في هذه الفترة كانت السيطرة العلمية فيها للكنيسة التي كانت تقف في وجه المعرفه ونشر التعلم والقراءة والكتابة والدافع الاول لمحاربة العلم كان بهدف منع عامة الناس من الوصول إلى مضمون الكتاب المقدس بدون وسيط من الكنيسة فبحسب اعتقادهم أنه ليس كل الأشخاص مؤهلين لقراءة هذا الكتاب لذلك من الأسلم أن يبقى المجتمع جاهلا وهذا التوجه الكنسي وافق هوى ملوك أوروبا واتحد مع أهدافهم فمن جهتهم اعتقدوا بأن تجهيل شعوبهم يضمن لهم الاستقرار السياسي والأمن المجتمعي
- جاءت فكرة عصور الظلام لإثبات أن الدين كان يقف خلف هذا الجهل والتخلف وأن التخلص منه هو الحل الأسلم لخلاص البشرية وتقدمها
- هذا ما حصل في عصر النهضة لما انسلخ علماء الغرب من الدين وتحرروا من مبادئه وقيوده وبدأوا بالعلم الوضعي فانطلق عصر النهضة وتمجيد العلم والمعرفة
- من ذلك الوقت حتى يومنا هذا تستمر نفس الرواية خلاصتها أن إعادة الاعتبار للدين وتفعيل أحكامه في الحياة العامة سيعيد الناس للعصور الوسطى عصور التخلف والظلام
- لكن هذه النتيجة التي توصل لها الفكرة الغربي أغفلت أمرين في غاية الأهمية
الأول هو أن حالة الانحدار والتخلف الأوروبي لم يكن من الدين بل من استبداد رجال الكنيسة
الثاني أن أوروبا ليست هي العالم وأن تخلف الغرب لا يعني تخلف الشرق
- مصطلح العصور الوسطى له دلالة سلبية مرتبطة بالجهل والظلام والتخلف وفي نفس الوقت يصف حقبة زمنية محدد من التاريخ الأوروبي
- لذلك من الخطأ تعميمه لوصف فترة زمنية تخص تاريخ آخر مثل التاريخ الإسلامي
- لايصح أن نطلق على مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي عصور وسطى إسلامية إلا في حالة واحدة إذا كانت هذه المرحلة متازمنة مع العصور الوسطى الأوروبية وتطابق أحوالها وأوضاعها وتتشابه بين العالمين الإسلامي والأوروبي فهل هذا الأمر متحقق؟
- من خلال كتاب “لماذا لم توجد عصور وسطى إسلامية” يتحدث المؤرخ توماس باور عن ظواهر الحياة اليومية والاجتماعية والثقافية في العالم الإسلامي والعالم الأوروبي في تلك المرحلة
- من الظواهر التي تحدث عنها توماس باور للتعبيرعن الفارق الحضاري انتشار الحمامات العامة فيذكر أن ثقافة بناء الحمامات العامة وارتيادها كانت منتشرة بشكل واسع في العالم الإسلامي ليست بالمدن الحديثة فقط بل حتى في المدن الريفية والمناطق الهامشية فكان ارتياد الحمامات جزء من حياة الناس فالبعض يذهب من أجل المتعة والاسترخاء والبعض يذهب من أجل الطهارة الدينية مثل الوضوء والاغتسال
- لو وجهنا النظر لرصد هذا الجانب في مدن أوروبا بذلك الوقت مثل باريس وروما سنكتشف من غير المتصور أن الإنسان الأوروبي يذهب إلى الحمام للاغتسال أو لأي غرض من الأغراض والسبب أنه لا يوجد حمامات عامة أصلا
- ظاهرة أخرى يتحدث عنها توماس باور في نفس الفترة الزمنية في العالم الإسلامي وهي الأمية
الأمية كانت الوضع الطبيعي في العالم الغربي القراءة والكتابة مهارة استثنائية لا يملكها إلا النوادر للعام ٦٠٠ من الميلاد لم يكن هناك أحد عنده القدرة على الكتابة غير رجال الدين وبالمقابل كانت نسبة الأمية متدنية جدا في العالم الإسلامي فغالب الناس يقرأون ويكتبون ابتداء من الخليفة وانتهاء بالأوساط الحرفية التي أخرجت شخصيات أدبية وعلمية تملأ كتب التاريخ
- في الوقت الذي كان فيه فرسان الحروب الصليبية أميين كان في الجانب الآخر يقاتلهم أسامة بن منقذ القائد البطل والكاتب الأديب بجانب معاركه البطولية كان يكتب القصائد والمذكرات ويسجل المختارات الأدبية
- على مستوى آخر يرصد المؤلف التباين بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية على مستوى التسامح والانفتاح على الآخرين فكراهية الأجانب كانت غريبة على المجتمعات الإسلامية بذاك الوقت خاصة أن أغلب المجتمعات كانت متعددة الأعراق لذلك ما كانوا يشعرون بأن الأجانب مهددين لهويتهم على عكس صورة العالم المتمركز عرقيا التي ميزن العصور الوسطى تميل إلى الحط من جميع البشر الذين لا ينتمون إلى دائرتهم الثقافية
- يقول توماس باور إن وجود غير المسلمين في العالم الإسلامي كان أمر طبيعي جدا أما وجود غير المسيحيين في العالم المسيحي كان أمرا مستحيلا باستثناء بعض اليهود الذين عاشوا تحت ظلم واضطهاد ولفهم الحال الذي عليه اليهود في العالم المسيحي لما اجتاح الطاعون أوروبا كان اليهود أول المتهمين بالتسبب في هذا المرض ونتيجة لهذا قررت عشرات المدن الألمانية مداهمة منازل اليهود وطردهم من القرى وفي سويسرا أعدم عشرات اليهود بسبب هذه الاتهامات
- أما ميدان العلم والمعرفة فالنهضة العلمية في العالم الإسلامي معروفة وأشهر من أن يذكر بها فالزمن الذي يسمى عصور وسطى في أوروبا كان يطلق عليه المؤرخون العصر الذهبي في الإسلام
- على مستوى المؤسسات التعليمية أنشأت أول جامعة في العالم وهي جامعة القرويين في فاس وتأسس بيت الحكمة الذي اعتبر أضخم مؤسس علمية تختص بترجمة التراث اليوناني والفارسي والهندي والسرياني وكانت هناك نهضة ثقافية واهتمام بالمكتبات على وجه الخصوص وظهرت أنواع كثيرة من المكتبات فوجدت المكتبات في قصور الخلفاء وفي المدارس والكتاتيب والجوامع وكما وجدت في المدن الكبرى وجدت في القرى النائية ومن والأماكن البعيدة ومن أشهرها بيت الحكمة في بغداد ودار الحكمة في مصر ومكتبة قرطبة
- وفي هذا يقول “ويل ديورنت” مؤرخ الحضارات “ولم يبلغ الشغف باقتناء الكتب في بلد آخر من بلاد العالم اللهم إلا في بلاد الصين في عهد من هوانغ ما بلغه في بلاد الإسلام في القرون الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر ولم يكن العلماء في آلاف المساجد المنتشرة في البلاد الإسلامية من قرطبة إلى سمرقند يقلون عن عدد ما فيها من الأعمدة”
كل هذا يجعل فكرة العصور الوسطى محض خرافة لا تنطبق بأي حال من الأحوال على العالم الإسلامي
- أحوال الصين في هذا الزمن من حيث التحضر والتخلف
عاشت الصين قمة ازدهارها الحضاري في عهد سلالة سونج التي استمرت بين القرن العاشر إلى القرن الثالث عشر الميلادي فشهدت نهضة علمية وأدبية وتجارة وصناعية ففي عام ١٠٤٥ من الميلاد اخترع الصينيون الطباعة وطبعت الكثير من الأعمال الفلسفية والعلمية والأعمال الكلاسيكية والموسوعات وحدث ارتفاع في أعداد المدارس والأكاديميات نتج عنه تأسيس الجامعة الوطنية في القرن الثاني عشر إلى جانب اختراعات سهلت الحياة اليومية مثل العملات الورقية
يقول “توبي هاف” في كتابه فجر العلم الحديث (الإسلام والصين والغرب) كانت الحضارة الصينية أكفأ بكثير من الحضارة الغربية في تسخير المعرفة الإنسانية الطبيعية للحاجات البشرية العملية وهو يقارن الصين بأوروبا بعد عصر النهضة وليس قبلها فكيف لو قارنها بما قبل عصر النهضة
بعد هذه الرحلة من الغرب إلى أقصى الشرق خلال حقبة زمنية واحدة يظهر لنا تباين الأوضاع الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها من جوانب الحياة ففي أثناء مرحلة الانحطاط التي عاشها الغرب كانت حضارات الشرق تتنعم بأنوار العلم والازدهار الحضاري ولذلك من الخطأ اقتباس مصطلح العصور الوسطى واستعماله لوصف مرحلة من مراحل تاريخنا الإسلامي فهو وصف يحمل دلالة سلبية يخص ثقافة أخرى ومنطقة مختلفة.